حسن ابراهيم حسن
422
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وكان المسجد فوق اعتباره مكان العبادة والمكان الذي يؤم فيه الخليفة الناس في الصلاة ، مركزا لإدارة شؤون الدولة أو الولاية . وكان المنبر أشبه بالعرش ، يلقى منه بيان الخليفة لسياسة الدولة ، ويلقى فيه خطبته الأولى ويبين فيها سياسته في الحكم . وفي المسجد نذاع القرارات الهامة التي تتعلق بالصالح العام ، ويستقبل الخليفة السفراء ويدبر شؤون الدولة . والمسجد هو المكان الذي يتخذه علماء التفسير والحديث مقرا لهم ، وهو المعهد الذي يتلقى فيه الأطفال اللغة العربية وأصول الدين ، وهو المكان الذي اتخذه القضاة لعقد جلساتهم ، بل لقد اتخذ بعض المساجد أماكن يلجأ إليها المسلمون ويصدون منها الأعداء . وسرعان ما فقدت المساجد أهميتها واقتصرت على إقامة الصلوات الخمس وذكر اسم الخليفة في الخطبة ، وذلك بعد انتشار المعاهد والجامعات . على أن بعض المساجد ما يزال حتى الآن معاهد دراسية تدرس فيها العلوم الدينية ، ويقوم بذلك أئمة المساجد . وكان مسجدا عمرو وابن طولون من أهم مراكز الثقافة في عهد الطولونيين والإخشيديين ، ثم أصبح الأزهر في عهد الفاطميين مركزا هاما للثقافة ومثابة للعلماء وخاصة فقهاء المذهب الشيعي . وأهم خصائص الأزهر أنه وإن كان قد بدأ كغيره من المساجد ، لم يلبث أن أصبح جامعة يتلقى فيها طلاب العلم ورواده من كل صوب وحدب الكثير من مختلف العلوم والفنون . وكان يعقوب بن كلس وزير الخليفة العزيز باللّه الفاطمي أول من فكر في تحويل الأزهر إلى جامعة . وكان العزيز ومن جاء بعده من الخلفاء والسلاطين والأمراء يشجعون الطلاب من وطنيين وأجانب ، فيقدمون إليهم المأكل والمسكن وكل ما يوفر عليهم وسائل الراحة من غير أجر ، وأصبح يدرس في الأزهر التوحيد والفقه واللغة والنحو والبيان والطب وغيرها من العلوم « 1 » . ومن هذه المعاهد الثقافية مسجد القرويين بفاس . وقد أنشىء حول منتصف القرن الثالث الهجري ، ثم أصبح مركزا هاما للثقافة الإسلامية . كما أصبحت هذه الجامعة شاهدا على ديمقراطية التعليم وعلى طرق التدريس ومراحل التعليم وتخصيص كراسي الأستاذية وشروط التعيين في وظائف التدريس ومراسيم تعيينهم ودرجاتهم العلمية والإجازات الفخرية ومجالس أوصياء الكليات ، والمساكن الجامعية للأساتذة والطلاب والمكتبات الجامعية . وفي هذه الجامعة الإسلامية وضع أساس التقاليد الجامعية التي تسير عليها الجامعات في الأمم الراقية ، كحفلة افتتاح الدراسة ، وحفلة التخرج ، وسلطان الطلبة
--> ( 1 ) المقريزي : خطط ج 2 ص 363 .